وكالة أنباء الحوزة - عُقدت الجلسة الأسبوعيّة لدرس الأخلاق للمرجع الدينيّ، آية الله العظمى الشيخ عبد الله جواديّ الآمليّ، صباح الأربعاء 13 آبان 1405 ه.ش (4 نوفمبر 2026م)، بحضور شرائح مختلفةٍ من أبناء الشعب، في المسجد الأعظم بمدينة قم المقدّسة.
وفي مستهلّ هذه الجلسة، هنّأ سماحة آية الله جواديّ الآمليّ بذكرى يوم 13 آبان*، وأحيا ذكرى شهداء هذا اليوم، مشيرًا إلى الأحداث التاريخيّة المرتبطة بهذه المناسبة، ودعا لشهداء الثورة الإسلاميّة، ولا سيّما شهداء 13 آبان، وكذلك الشهداء الذين ارتقوا مؤخّرًا، سائلًا الله تعالى أن يحشرهم مع شهداء كربلاء.
وأشار سماحته في هذه الجلسة إلى الكلمات النورانيّة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بشأن صفات أولياء الله، وقال: إنّ أولياء الله هم الذين يجعلون القرآن الكريم محورًا لحياتهم، ويجعلون المجتمع أيضًا قائمًا على القرآن الكريم.
وأوضح سماحته أنّ المسؤوليّة الأساسيّة للحوزويّين والجامعيّين تتمثّل في إعلاء شأن القرآن الكريم، وجعل المعارف الوحيانيّة محورًا للعلم والعمل، وقال: يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بشأن أولياء الله: «بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عُلِمُوا وَبِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا» (نهج البلاغة: الحكمة 424)؛ أي إنّ القرآن يُعرف ويُفهم ببركة هؤلاء الأولياء، وبهم يُقام القرآن في المجتمع وتُفعّل تعاليمه.
الحوزة العلميّة والجامعة مسؤولتان عن جعل القرآن الكريم محورًا للمجتمع
وشدّد آية الله جواديّ الآمليّ على ضرورة أن يكون القرآن الكريم محورًا للعلم والنهوض في المجتمع، قائلًا: إذا أُريد أن يكون القرآن الكريم محورًا للعلم في المجتمع، فإنّ الحوزة العلميّة والجامعة مسؤولتان عن ذلك، وإذا أُريد له أن يكون محور نهوض المجتمع وحركته، فإنّ الحوزة العلميّة والجامعة تتحمّلان هذه المسؤوليّة أيضًا. وعلى الرغم من أنّنا جميعًا مسؤولون، فإنّ المسؤوليّة الأساسيّة في هذا المجال تقع على عاتق العلماء وأهل العلم في الحوزات والجامعات.
وأشار سماحته إلى أنّ العلم بالكتاب يتحقّق على أيدي العلماء والمجتمع العلميّ، وأضاف: إنّ أولياء الله هم الذين يجعلون القرآن الكريم محورًا لعلومهم، وينتشر القرآن في المجتمع أيضًا بواسطتهم. وينبغي أن يتحقّق حضور القرآن وفهمه والعمل به على أيدي علماء الحوزة والجامعة، وأن يكون نهوض هؤلاء العلماء أنفسهم قائمًا على أساس القرآن.
وأكّد آية الله العظمى جواديّ الآمليّ أنّ القرآن الكريم ليس مجرّد كتابٍ للتلاوة ونيل الثواب، قائلًا: إنّ القرآن الكريم كتابٌ للبحث والتحقيق العلميّ؛ فهو يعلّمنا كيف هو العالم، ومن الذي خلقه، وعلى أيّ أساسٍ يقوم نظام الوجود. فجميع ذرّات هذا العالم قد خُلقت وفق العلم والحساب والتقدير، ولا يوجد في هذا النظام شيءٌ من دون سببٍ أو نظامٍ علميٍّ.
وأوضح سماحته أنّ الإنسان يستمدّ علومه من العالم ونظام الخلق، وقال: يعلم المهندس الزراعيّ أنّ إثمار البستان يتطلّب توافر تربةٍ صالحة، وبذورٍ جيّدة، ومياهٍ مناسبة، وسائر الظروف اللازمة؛ فإذا لم تتوافر هذه الأمور، فلن تُجنى منه أيّة ثمارٍ. ولكلّ شجرةٍ ظروفها ونظامها الخاصّ. وهكذا، فإنّ جميع العلوم البشريّة مستمدّة من هذا الوجود والنظام الذي وضعه الله تعالى في متناول الإنسان؛ فالإنسان لم يكن يملك علمًا من تلقاء نفسه، ولا يزال الأمر كذلك، بل إنّه يستمدّ علومه كلّها من هذا العالم. ومن هنا، فإنّ العالم كتابٌ من كتب الله تعالى.
ودعا سماحته العلماء والأوساط العلميّة إلى توثيق صلتهم بالقرآن الكريم ومزيد الأنس به، مؤكّدًا: لا ينبغي أن تقتصر علاقتنا بالقرآن على تلاوته طلبًا للثواب ليلة الجمعة؛ بل إنّ من واجب كلّ واحدٍ منّا أن يضع برنامجًا قرآنيًّا منتظمًا. والمقترح هو أن نخصّص، على غرار دروسنا الاعتياديّة، جلساتٍ للمباحثة القرآنيّة، بحيث يتدارس كلّ واحدٍ منّا القرآن الكريم دورةً كاملةً. وليس من الضروريّ أن نبدأ بالتفسير العميق منذ البداية، بل يكفي أن نفهم الخطوط العامّة للآيات، وندرك ما يريد القرآن أن يبيّنه لنا، وأن نرجع إلى كتب التفسير عند الحاجة إلى مزيدٍ من الفهم والتعمّق.
وفي سياق حديثه، أشار آية الله العظمى جواديّ الآمليّ، إلى الجهود العلميّة التي بذلتها أجيالٌ متعدّدةٌ من الباحثين في تأليف تفسير "التسنيم"، وقال: إنّ هذا الأثر ثمرة جهود الحوزة العلميّة، وليس عملًا فرديًّا لشخصٍ واحدٍ، بل هو حصيلة نحو أربعين عامًا من العمل الدؤوب، أسهمت فيه أربعة أجيالٍ علميّةٍ في الحوزة؛ إذ أمضى كلّ جيلٍ نحو عشر سنواتٍ في هذا المسار، مستندًا إلى فكره وفهمه ورؤيته الحوزويّة والجامعيّة، فطُرحت التساؤلات وقُدّمت الإجابات عنها. ومع ذلك، فإنّ ما دُوّن في هذا التفسير ليس إلّا قطرةً من بحر القرآن الكريم؛ لكنّ المهمّ هو أن نكون جميعًا من أهل قراءة القرآن والبحث في معارفه والتعمّق فيها.
انتصار الحقّ على الباطل وعدٌ قطعيٌّ في القرآن الكريم
وفي جانبٍ آخر من حديثه، تطرّق آية الله العظمى جواديّ الآمليّ إلى السنّة الإلهيّة الحاكمة للصراع بين الحقّ والباطل، قائلًا: إنّ القرآن الكريم، في جميع الوقائع الماضية والحاضرة، يعلّمنا، كلّما تحدّث عن الصراع بين الحقّ والباطل، أنّ العاقبة تكون للحقّ، وأنّ الباطل لا يمكن أن ينهض في مواجهة الحقّ ثم ينتهي به الأمر إلى الانتصار عليه؛ قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: 8]. وهذه قاعدةٌ كلّيّةٌ وسُنّةٌ حاكمةٌ في نظام الخلق.
وأشار سماحته إلى هجمات الأعداء واستشهاد القائد الأعلى للثورة الإسلاميّة والعلماء وجمعٍ من أبناء الشعب والمقاتلين من قوات التعبئة، ولا سيّما أبناء ميناب، وقال: صحيحٌ أنّ العدوّ الأجنبيّ شنّ هجماته وألحق خسائر واستُشهد على إثر اعتداءاته عددٌ من أعزّائنا، لكن ينبغي ألّا نغفل عن الوعد الإلهيّ؛ فالهزيمة التي ستُمنى بها أمريكا وإسرائيل أمرٌ يقينيٌّ. ويؤكّد القرآن الكريم لأهل الحقّ أنّه لا داعي للقلق؛ إذ إنّ الغلبة في كلّ مواجهةٍ بين الحقّ والباطل تكون للحقّ. وهذا ليس مجرّد إخبارٍ عن الغيب، بل هو إخبارٌ عن سُنّةٍ ونظامٍ أودعهما الله تعالى في هذا العالم.
وشدّد سماحته قائلًا: إنّ تأكيد القرآن الكريم على بيان هذه الحقائق إنّما يهدف إلى ترسيخ اليقين في نفوس أبناء المجتمع الإيمانيّ بأنّ المواجهة بين الحقّ والباطل لا ينبغي أن تُفضي إلى الخوف أو التردّد؛ فالنصر للحقّ وعدٌ إلهيّ محتوم، وانتصار الإسلام والمسلمين أمرٌ يقينيّ.
الإسلام دينٌ لتربية الشجعان وأصحاب المروءة
وفي سياق حديثه، لفت آية الله العظمى جواديّ الآمليّ إلى الروايات الواردة في الحثّ على الدفاع عن الأوطان والتصدّي للمعتدين، قائلًا: إنّ من التوجيهات الإسلاميّة الأصيلة تنشئة الإنسان على قيم الفروسيّة وروح النضال والشجاعة؛ فالإسلام دينٌ يهتمّ بتربية الإنسان الشجاع النبيل، وتربية أصحاب المروءة والإقدام.
وأشار سماحته إلى رواياتٍ عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) بشأن سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومواقفه في الدفاع عن الأرض والتصدّي للمعتدين، موضحًا: إنّ هذه الروايات لا تتناول أحكام الصلاة أو المسائل اليوميّة المعتادة، بل تنقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأكيدًا على وجوب التصدّي للمعتدي الذي يستهدف أرض الإنسان ووطنه، وتبيّن أنّ من يشنّ العدوان على أرض المسلمين وينتهك حرمة وطنهم، وفي مقدّمتهم أمريكا وإسرائيل في الوقت الراهن، يجب قتاله وقتله، وأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يتحمّل تبعات قتله وما قد يترتّب عليه من مسؤوليّةٍ.
وأوضح هذا المرجع الدينيّ في بيان ضرورة اليقظة والتنبّه في ميدان الدفاع، قائلًا: يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في إحدى رسائله إلى المقاتلين: «وَلَا تَذُوقُوا النَّوْمَ إِلَّا غِرَاراً أَوْ مَضْمَضَةً» (نهج البلاغة: الرسالة 11)؛ أي لا تسمحوا لأنفسكم بالنوم إلّا قليلًا وبقدر ما تقتضيه الضرورة؛ فكما أنّ الصائم يتمضمض بالماء في فمه، مع الحرص على ألّا يبتلعه، ينبغي للمقاتل أيضًا، أثناء الحراسة وحماية موقعه، أن يتجنّب الغفلة، وأن يحافظ على يقظته وانتباهه على الدوام.
وشدّد سماحته على أنّ هذه المسؤوليّة لا تقتصر على القوات العسكريّة والمسؤولين، وقال: إنّنا جميعًا مسؤولون، ولكلٍّ منّا واجبٌ عليه أن يؤدّيه؛ فصيانة هذا النظام تستلزم منّا جميعًا تحمّل المسؤوليّة في مختلف المجالات، بدءًا بترسيخ الأخلاق في المجتمع والنهوض بالاقتصاد وتلبية الاحتياجات، وصولًا إلى توفير فرص العمل.
وأعرب آية الله العظمى جواديّ الآمليّ عن أمله في استمرار عزّة النظام الإسلاميّ واقتداره، قائلًا: نأمل أن يُسلّم هذا النظام، ببركة القرآن الكريم والعترة الطاهرة، إلى الوجود المبارك لوليّ العصر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وهو في حالٍ من الصلاح والاستقامة ، وأن تؤول عداوات الأعداء ومؤامراتهم إلى الذلّ والإخفاق.
وفي الختام، دعا للمجتمع والحاضرين بالعزّة والرفعة، وسأل الله تعالى أن يمنح الجميع العزّة والجلال والمجد القرآنيّ، وأن يحشر شهداء الثورة والدفاع عن الإسلام مع شهداء كربلاء.
* يحتلّ يوم 13 آبان مكانةً بارزةً في التاريخ المعاصر لإيران، إذ يرتبط بثلاث محطّاتٍ تاريخيّةٍ مهمّةٍ، هي: نفي الإمام الخمينيّ (قدّس الله سرّه) إلى تركيا عام 1964م، ومجزرة الطلبة في طهران على يد نظام الشاه عام 1978م، واستيلاء الطلبة الجامعيّين على السفارة الأمريكيّة في طهران عام 1979م. وقد اكتسب هذا اليوم رمزيّةً خاصّةً في الوجدان الثوريّ الإيرانيّ، بوصفه مناسبةً لتجديد العهد بمبادئ الثورة الإسلاميّة، والتأكيد على الاستقلال ومناهضة الاستكبار.
لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.
المحرّر: حسن رحماني
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك